طرق صيد الأسماك الحداق

حسين محمد حسين- البحرين

الحداق: صيد السمك بالخيط

من أقدم طرق الصيد في الخليج العربي هي الحداق أو طريقة الصيد بالخيط والشص أو الخطاف الذي يعرف محليا بالمجدار. ويرجع تاريخ هذه الطريقة في الخليج لما قبل الألف الرابع قبل الميلاد حيث لم يصنع بعد المجدار بل كانت تستخدم قطعة عظم صغيرة مدببة الطرفين يربط خيط من مركزها, وقد تطورت هذه الطريقة حيث استبدلت قطعة العظم بشص يصنع من الأصداف البحرية وقد عثر على بعض من تلك الشصوص, ثم استبدلت الشصوص الصدفية بالشصوص النحاسية حيث تم العثور في مناطق من الخليج العربي على أشكال من الشصوص التي استخدمت في صيد الأسماك يعود تاريخها لما قبل الألف الثاني قبل الميلاد.

الحداق كما عرفته العرب

لم توثق طريقة الحداق بصورة جيدة في الكتب العربية القديمة و لكن يمكننا العثور على وصفها من خلال الشعراء الذين تفنن بعضهم في وصف طريقة الحداق وآلتها, وقد تعددت الألفاظ المستخدمة فيها وأغلبها ألفاظ غير عربية وسنبدأ أولا بالتعريف بالمصطلحات كما جاءت في كتب اللغة ثم وصف الطريقة كما وردت في الشعر.

1 – الحداق

عرف العرب لفظة “الحداق” وعلى الرغم من ذلك لا نعرف أصل التسمية فقد وردت لفظة حداق عند ابن دريد المتوفي عام 941م في كتابه الاشتقاق أثناء حديثه عن احد الرجال واسمه حداق بن شقيق حيث علق بقوله: واشتقاق حداق من احد شيئين: أما من حدق العيون أو من حدق السمك وهو صيده. و هذا يعني أن الحدق هو الفعل و منها الاسم حداق واسم الفاعل حدّاق بالتشديد. وقد أجتهد البعض في رد لفظة حداق للفظة العربية “حذق” بمعنى المهارة.

2 – الشص

عرف الحداق أيضا عند العرب باسم الصيد بالشص, والشص لفظ معرب من لفظ “شست” الفارسية, جاء عنه في تاج العروس :

“الشِّصُّ، بالكَسْرِ: حَدِيدَةٌ عَقْفاءٌ يُصَادُ بها السَّمَكُ. ويُفْتَحُ، ذَكَر الجَوْهَرِيّ اللُّغَتَيْنِ. وقال ابنُ دُرَيْد: لا أَحْسَبُ هذَا الّذِي يُسَمَّى شِصّاً عَرَبِياً مَحْضاً. قال الصَّاغانيُّ: صَدَقَ ابْنُ دُرَيْد وهو مُعَرَّب، ويُقَال له بالفَارِسيّة: شستْ”.

وجمع شص شصوص, قال ابن الرومي المتوفي عام 896م

الحمدُ للَّهِ الذي نجَّى السمكْ من الشُّصوص الجائلات والشبكْ

3 – الصنارة

أصل الصنارة رأس المغزل على ما جاء في لسان العرب:

“الصَّنَارَةُ، بكسر الصاد: الحديدة الدقيقة المُعَقَّفَةُ التي في رأْس المِغْزل، وقيل: الصِّنَارَةُ رأْس المِغْزل، وقيل: صِنَارَةُ المغزل الحديدة التي في رأْسه، ولا تقل صِنَّارَةً. وقال الليث: الصِّنَارَةُ مِغْزل المرأَة، وهو دخيل”.

و قد عمم اللفظ فاستخدم بمعنى الشص, جاء في كتاب “نهاية الأرب في فنون الأدب”:

“الشّصّ، وهو الصّنانير، قال كاتب أندلسيّ يصفه من رسالة: صنانير كأظفار السّنانير؛ قد عطفها القين كالراء، وصيّرها الصّقل كالماء؛ فجاءت أحدّ من الإبر، وأرق من الشّعر؛ كأنها مخلب صرد، أو نصف حلقةٍ من زرد”

لاحظ كيف شبه شكل الشص بحرف الراء وليس بحرف اللام, وهذا يعني أن الشصوص التي كانت تستخدم في تلك الحقبة هي تلك الشبيهة بحرف الراء فقد عثر في حضارة الرافدين على أشكال مختلفة من الشصوص أو المجادير منها ما يشبه الراء وأخرى تشبه اللام كما هو موضح في الصورة.

وصف الحداق عند شعراء القرن الرابع الهجري

ولم أجد وصفا للحداق عند العرب إلا في النادر من الشعر عند شعراء القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي) منها شعر أحمد الصنوبري المتوفي عام 945م فيرد قصيدة في وصف طرق صيد الأسماك ولا أعلم إذا كان من المصادفات ورود لفظة “حذق” فيها أم أن اللفظة هي أصل الحداق, وقد حاولت جاهدا شرحها فتبين أن الشاعر يصف صيد الأسماك بطريقة الحداق وذلك باستخدام قطع حديدية ذات رؤوس معقوفة (في أعاليها أود) مشدودة في ذنب خيل وذنب الخيل مربوط في (يراع) أي قصب وقد وصف القصب بقوله (صُمّ الأنابيب قريباتِ العقد) أي أنها ليست جوفاء من الداخل وذات عقد متقاربة. وبعد أن فرغ من وصف أداة الحداق وصف الشبك والذي كنى عنه بقوله (بعثنا ألفَ عين في جَسَد) وسوف نعود لهذه النقطة لاحقا عند الحديث عن الشبك. قال الصنوبري:

أفضلُ ما أعددتُه من العُدَدْ وما حوى صحبي بهِ غِنى الأبَدْ

بناتُ قينٍ حازَ في الحذقِ الأمد على مقاديرِ مخاليبِ الصُّرَدْ

أو مثل ما عاينتَ أنصافَ الزرد لها رؤوسٌ في أعاليها أود

كمثل أنيابِ الأفاعي وأحدّ ذوات طعمٍ نكدٍ كلِّ النكد

تشدُّ في أذنابِ خيلٍ إِذ تشد ممرّةِ الفتلِ كإِمرارِ المسَد

نيطتْ بأطراف يراع مستعد صُمّ الأنابيب قريباتِ العقد

عُجنا بها من حيث ما عاج أحد في ظلِّ صفصافٍ علينا قد بَرَد

شاطئ نهرٍ لابسٍ درع زبد فأطلقت أيديهم إطلاق يد

ولم تزلْ ترسل طوراً وتمد حتى تنادَوا قَدْ من الحيتانِ قد

ثم بعثنا ألفَ عين في جَسَد فجئننا بمثلهنَّ في العدد

ألفٌ من الحيتان بيضٌ كالبرد مكسوَّةٌ دراهماً ما تنتقد

كذلك الأرزاقُ من جزرٍ ومد فالحمدُ للمهيمنْ الفردِ الصَّمَد

وقد وصف الشاعر أبو الفتح كشاجم المتوفي 970م في وصف الشص أو الصنارة ويلاحظ أن الشاعر يشبهه بحرف الراء:

من كان يحوي صيده الفضاء وللبزاة عنده ثواء

وطال بالكلب له العناء فإن صيدي ما حواه الماء

بمخلبٍ ساعده رشاء يظلّ والماء له غطاء

كما طوت هلالها السماء كأنه من الحروف راء

فهو ونصف خاتمٍ سواء يحمل سمّاً اسمه غذاء

وعطباً فيه لنا إحياء تدمى به القلوب والأحشاء

عاد إذا ساعده القضاء أمتعنا القريس والشّواء

تنوع طرق الصيد بالمجدار

في الوقت الحاضر عرفت العامة أنماطا مختلفة من طرق الصيد بالمجدار منها ما أنقرض ومنها ما تطور بصورة كبيرة. فمن الطرق التي مازالت تعد بدائية هي طريقة الخية التي تسمى أيضا مشبق أو مشبك وهو مما يستخدمه الهواة وفي هذه الطريقة يستخدم خيط نايلون سميك قد يزيد طوله على 100 متر وتتدلى منه عدد من المجادير متباعدة عن بعضها بمسافة مناسبة ويوضع الطعم في كل مجدار. ويتم تثبيت الخيط بالمجادير المثبتة فيه في منطقة المد والجزر وذلك في فترة المد وتجمع الأسماك المصادة في حالة الجزر.

ومن الطرق التي تطورت كثيرا هي طريقة اللفاح والتي تسمى أيضا مجرور أو ميرور, خيث تعتبر هذه الطريقة من طرق الصيد التجارية الثانوية وفيها يتم جر الخيط خلف القارب في أثناء سيره بهدوء وتستخدم فيه مجادير خاصة يسمى الواحد منها “درية”.

عدد المشاهدة : 5141